محمد سعيد رمضان البوطي

187

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه ، وعدا عليه فقتله . روى البخاري عن أنس بن مالك ، أن حرام بن ملحان لما طعن وانتضح الدم في وجهه ، صاح : فزت ورب الكعبة « 36 » . ثم استصرخ عامر بن الطفيل بتي عامر يستعديهم على بقية الدعاة فأبوا أن يجيبوه وقالوا : لن نخفر أبا براء ( عامر بن مالك ) ، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم من عصيّة ورعل وذكوان فأجابوه ، وانطلقوا فأحاطوا بالقوم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم ، فقتل المسلمون عن آخرهم . وكان في سرح الدعاة اثنان لم يشهدا هذه الموقعة الغادرة ، أحدهما ( عمرو بن أمية الضمري ) ولم يعرف النبأ إلا فيما بعد ، فأقبلا يدافعان عن إخوانهما فقتل زميله معهم ، وأفلت هو فرجع إلى المدينة . وفي الطريق لقي رجلين من المشركين ظنهما من بني عامر فقتلهما ، ثم تبيّن لما وصل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأخبره الخبر أنهما من بني كلاب وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان قد أجارهما . فقال عليه الصلاة والسلام : لقد قتلت قتيلين لأدينّهما . وتأثر النبي صلّى اللّه عليه وسلم لمقتل هؤلاء الدعاة الصالحين من أصحابه ، وبقي شهرا يقنت في صلاة الصبح يدعو على قبائل سليم : رعل وذكوان وبني لحيان وعصيّة » « 37 » . العبر والعظات : في هاتين الحادثتين المؤثرتين دلالات هامة نجملها فيما يلي : أولا : يدل كل من حادثة الرجيع وبئر معونة على اشتراك المسلمين كلهم في مسؤولية الدعوة إلى الإسلام وتبصير الناس بحقيقته وأحكامه . فليس أمر الدعوة موكولا إلى الأنبياء والرسل وحدهم أو إلى خلفائهم والعلماء دون غيرهم . وإنك لتستشعر مدى أهمية القيام بواجب هذه الدعوة ، من إرسال النبي صلّى اللّه عليه وسلم أولئك القراء الذين بلغت عدتهم سبعين شابا من خيرة أصحابه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما يمض أمد طويل على مقتل أولئك النفر الستة الذين كان قد بعثهم في ذلك السبيل نفسه . . ولقد استشعر الخوف عليهم ، وذكر ذلك لعامر بن مالك عندما اقترح عليه إرسال وفد لدعوة الناس إلى الدين ولكنه كان يرى أن القيام بأعباء التبليغ أهم من كل شيء ، ولئن لم يمكن تحمل مسؤولية الدعوة والنهوض بها إلا بمثل هذه المغامرة وقبول ما قد ينتج عنها ، فلتكن المغامرة ، وليكن ما أراد اللّه تعالى في سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته .

--> ( 36 ) البخاري : 5 / 43 ( 37 ) انظر سيرة ابن هشام : 2 / 173 ، وخبر قنوت الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ودعائه على قبائل سليم رواه البخاري ومسلم .